حبيب الله الهاشمي الخوئي

288

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

لاغوينّهم ، مريدا به الاغواء بالجبر وسلب الاختيار حكم عليه السّلام بخطائه . ويوضح ذلك ما ذكره الطبرسي في قوله * ( « وَما كانَ لَه ُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ » ) * أي ولم يكن لإبليس عليهم من سلطنة ولا ولاية يتمكن بها من اجبارهم على الغىّ والضلال ، وانما كان يمكنه الوسوسة فقط كما قال * ( « وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ » ) * . فان قلت : قوله * ( « وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ » ) * يدلّ على أنّه لم يكن مراده بقوله : لاغوينّهم ، الاجبار وأنّه لم يكن ظانا بالقدرة على إجبارهم . قلت : قوله لاغوينّهم ، إنما قاله في بدء خلقته بتوهّم التمكَّن من إجبارهم ، وقوله : وما كان لي عليكم من سلطان إنما يقوله يوم القيامة كما يشهد به سابق الآية ، قال سبحانه * ( وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ) * . فمحصّل الجواب أنّه لا منافاة بين كونه في أوّل الأمر ظانا بالتمكن من الاجبار ، وبين معرفته في آخر الأمر بعدم تمكنّه منه وبكونه خاطئا في ظنّه . وقوله ( صدّقه به أبناء الحمية واخوان العصبيّة وفرسان الكبر والجاهلية ) تأكيد لقوله رجما بظنّ مصيب يعني أنّ إبليس ظنّ أنه يغويهم وكان هؤلاء قد غووا وضلَّوا بالحميّة والجاهلية والتعصّب والتكبّر ، فكان ضلالهم ذلك تصديقا فعليّا منهم لإبليس في ظنّه وفى قوله : لاغوينّهم ، وموجبا لإصابة ظنّه . وعلى الرواية المشهورة أعني رجما بظنّ غير مصيب ، فيكون هذه الجملة في معرض الاستدراك ، يعني أنّه قال ما قال لا على وجه العلم بل على سبيل الظنّ والحسبان والمصيب للحقّ هو العلم دون التوهّم أو الظنّ ، لكن اتّفق وقوعهما لتصديق أبناء الحميّة فيه ووقوع الغواية منهم . وعلى هذا فالأولى أن يجعل جملة صدّقه اه استينافا بيانيا لا صفة لظنّ